|
تم
بحمد الله
افتتاح متحف جميل للتراث الإسلامي برعاية
الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وبحضور جمع كبير من المهتمين وذوي
الاختصاص.
كــان في الحضور ساسة ودبلوماسيون وأدباء ومفكرون وشعراء ومؤرخون من أعمار
مختلفة ومن أقطار مختلفة.. تنوعت مواهبهم وخصائصهم وتوحدت الغاية التي
اجتمعوا عليها والحدث الذي التقوا من أجله: إنه الاحتفال بإعادة بناء
وتجديد متحف التراث الإسلامي في فيكتوريا وألبرت وإعادة تسميته تحت "متحف
جميل". عبــق التاريخ يمكن أن يشاهده الناس حياً حاضراً ندياً حين يرون
إنجازات تعود إلى مئات السنين تقف بشموخ في قلب لندن تروي للزوار
والمشاهدين من مختلف أقطار المعمورة أن الحضارة التي أبدعت عشرة آلاف قطعة
فنية أمكن تجميعها في مكان واحد فقط إنما هي حضارة بناء وإنجاز وإتقان،
وليست ذات ميول تدميرية تفجيرية، وشتان بين البناء والتدمير وبين الاعمار
والتفجير.
كــان الحفل مهيباً وكأنه يعبر أقطاراً إسلامية شتى في أسيا وأفريقيا
وأوروبا، وكان مهيباً أيضاً وكأنه يغطي حقباً زمنية مختلفة تصل إلى أعماق
تاريخ الأمة الإسلامية، فجاء مناسباً في روحه وشكله وعرضه للثراء العظيم
الذي يزخر به الفن الإسلامي في إصالته وحداثته، وفي شفافيته وعمقه.
وحيـن اكتمل الحاضرون واكتظت الصالة بالضيوف راحت السيمفونية تتجول في
أجواء مختلفة كأنها هذا الفن الذي يحتضنه التاريخ ويحتضن هو الجغرافيا،
وقبل أن تنتهي المقطوعة الطويلة الفسيحة التي أبدعها الفنان أسامه رحباني
وقبل أن تنقل الحاضرين إلى صالات "متحف جميل" ومعروضاته المختلفة كان أسامه
يحرص على استحضار أجواء الهجرة النبوية المباركة إلى المدينة المنورة حيث
راح ينوّع على "طلع البدر علينا" وكأنها البوابة التي تفتح ذراعيها للضيوف
وتبسط لهم بساطاً من التأمل البعيد. هنــا.. وقف محمد عبد اللطيف جميل أمام
الضيوف مرحباً بهم جميعاً وفي مقدمتهم الأمير شارلز ولي العهد البريطاني
وصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل سفير المملكة في الولايات المتحدة
الأمريكية والسفير السابق للمملكة في المملكة المتحدة شاكراً حضورهم جميعاً
وموجهاً خطابه إلى الأمير تشارلز "إن ذلك حقاً أمر مثير. خاصة وأنت تفتتح
متحفاً في المبنى الذي افتتحه من قبل جدك الثالث: الأمير ألبرت"." إنـها
السعادة الغامرة لي ــ يقول محمد جميل ــ نيابة عن عائلتي أن أتمكن من
تقديم هذه المساهمة من أجل مستقبل هذه المؤسسة الفريدة" وأضاف "إن عائلة آل
جميل فخورة جداً بهذا الارتباط بمتحف فيكتوريا وألبرت وهي ملتزمة بتعميق
الاهتمام بالفنون الجميلة متزامناً ذلك بتعزيز الاحترام والتقدير بين
الثقافات، ولا يغيب عن كثيرين منكم أن كثيراً من المعروضات كانت في رحلة
عالمية أثناء إعادة بناء صالات المتحف حيث تمكن مئات الآلاف من الناس من
مشاهدتها في قارات ثلاث،هي أمريكا وآسيا وأروبا، ممن قد لا تتاح لهم الفرصة
للمجيء إلى هنا والإطلاع عليها" . واسـتحضر في حديثه تأثير أبويه قائلاً:
"خلال حياتهما .. كانا مصدر إلهام ليس لي وحدي فقط أو لعائلتي بل لكثيرين
من زملائي في عالم الأعمال في المملكة العربية السعودية .. ومن هنا فإن
كثيراً مما نقوم به اليوم لنجعل عملنا التجاري أكثر التزاماً بالمسؤولية
الاجتماعية إنما هو البرهان على إرثهما وإيمانهما.. لقد كانا لطيفين..
متواضعين.. يقدّران التعلّم إلى أبعد مدى ممكن... وإنني على يقين لو أنهما
على قيد الحياة سيكونان متأثرين جداً حينما يريان اسميهما يُضافان إلى واحد
من أهم متاحف العالم" .
ثــم استحضر محمد جميل في كلمته شيئاً مما قاله الأمير تشارلز في محاضرة له
في الأزهر في القاهرة في بداية هذا العام قائلاً: إنها تعبر عما في نفسي
وربما عما في نفوس كثيرين هنا.."إن جذور الإيمان الذي نشترك فيه من الإيمان
بإله واحد: إله إبراهيم يعطينا قيماً مستدامة ومن أعلى هذه القيم في إرثنا
المشترك والنابعة من حبنا لإلهنا ينبغي أن يكون هناك دائماً احترامنا
لبعضنا البعض، واحترامنا بخلقه " وأرجو أن يحقق هذا المتحف شيئاً من هذا.
وحيــن انتهى من إلقاء كلمته انتقل ولي العهد البريطاني إلى متحف جميل حيث
شاهد المعروضات ووقف عدة مرات متأملاً بعمق أعمالاً إسلامية شدت انتباهه
بجمالها وإتقانها وإبداعها.. وثرائها القريب من النفس.
ثـــم انطلق الحضور من جولة المشاهدات إلى الاستماع لكلمة راعي الحفل والتي
سبقها وزير الخارجية البريطاني السابق "جاك سترو" والذي أبدى استياء شديداً
مما يجري حالياً في الشرق الأوسط وخاصة لبنان وأكد على أن هذه الحضارة
جديرة بالتقدير. ثـــم ألقـى ولي العهد البريطاني في كلمته مؤذناً بافتتاح
"متحف جميل" قائلاً: "كم هي سعادتي هذا المساء حين أشارك العديد من
الأصدقاء والمؤيدين لهذا المتحف حفل افتتاحه وإزاحة الستار عن "متحف جميل"،
"وحيــن فرغت من جولتي بين معروضات هذا المتحف البديع أستطيع القول بكل
أمانة أنني لا أتذكر هذا القدر من الإيحاء الذي أتاحته لي هذه الكنوز
المعروضة منذ زمن بعيد.. وإنني على يقين بأن هذا الشعور الذي انتابني أثناء
جولتي هذا المساء سوف ينتاب الكثيرين ممن سوف يزورون المتحف في الأيام
والأعوام القادمة كما كان شأن " المسجد والقصر" في تأثيره على مئات الآلاف
في كل من واشنطن وتكساس وطوكيو وشيفليد.. أثناء فترة البناء، إن مشاهــدة
هذه الأعمال الفنية العظيمة من رسوم ومنحوتات والتي تعرض بشكل جميل وذكي
تقدم خدمة في الوقت المناسب عما ندين به هنا في الغرب للإسلام ... مديونية
غالباً ما تهمل أو تتناسى هذه الأيام، "وقــد اخترت أسلوبي للاعتراف بهذه
المديونية على مدى السنين حيث ساعدت على إنشاء برنامج في الكلية الملكية
للفن حيث يمكن للطلاب أن يتعلموا التعرف أكثر على بصريات وتقاليد إسلامية
في الفن والتي شعرت أنا وغيري أنها تتعرض للإهمال، ... " ولقـد تطور
البرنامج الآن وأصبحت الكلية التي أنشأتها: مدرسة الأمير للفنون التقليدية
تُعلّم اليوم الأعمال الإسلامية مثل: الخطوط والهندسة.". وإضافــة إلى
إعادته بناء متحف " القصر والمسجد " وكذلك الجولة العالمية لبعض المعروضات
فلقد تأثرت كثيراً بدعمه الموازي لأعمال المدرسة التي أنشأتها للفنون
التقليدية هنا وفي الخارج، أما عن تبرعه السخي لهذا المتحف الرائع فإنها
ذكرى عطرة لحياة وأعمال والديه.. فليس هنالك شيء أروع من أن يقدم ابن لأبيه
وأمه ما يوحي إلى أجيال قادمة بما كان يوحي إليهما من تراث... ؟ إنه
النموذج الذي يحذو الآخرون حذوه ... ".
ومــع المغيب.. كان الناس يغادرون "متحف جميل" وكانت المعروضات فيه تقف
شامخة مزهوة بعد إماطة اللثام عن جمالها الأخّاذ وإتاحة المجال للملايين
مستقبلاً لرؤيتها والتمتع بجمالها..، وبينما غادر المدعوون عبر شوارع لندن
الفسيحة .. راحت المعروضات تستعيد عبق التاريخ وتستجمع آفاق الجغرافيا
لتستقبل آلاف الزائرين في صباح جديد .. يتجدد كل يوم
.
ولمزيد من
المعلومات عن هذا المعرض يرجى زيارة الموقع التالي
http://www.vam.ac.uk |